Pages Menu
Categories Menu

نشرت في 21 فبراير, 2017 في Slide, ثقافة, صوت الكهنة

رحلة الإدارة بقلم الأب عماد الطوال

رحلة الإدارة بقلم الأب عماد الطوال

       

مقدمة

رحلة الإدارة هي قراءة شخصية لواقع العمل الإداري في المؤسسات الكنسية، خصوصاً للكاهن أو المكّرس، الذي اعتاد على العمل الرعوي والحياة اليومية مع المؤمنين (كنيسة، رعية، فعاليات رعوية، زيارة المرضى …)، هي لحظات مليئة بالنعمة في حياة الكاهن، حيث يمارس جميع وظائف المسيح:

الكهنوتية، الملكية والنبوية.

يتحدث القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (١٢: ٢٧٣١) وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادا. فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلاً رُسُلاً، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ. أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟ أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ عن هبة ونعمة الروح القدس إلى الكنيسة المواهب، وعن تنوعها وتعددها فهي أقرب ما تكون لأعضاء الجسد الواحد لكل منها أهميته الخاصة، وكل عضو منها يكّمل ما ينقص من العضو الآخر، وهذا التنوع والتكامل ما وجد إلا ليخدم الكنيسة والآخر، هكذا هم الكهنة لكلٍ منهم موهبته الخاصة به يكمل بعضهم بعضاً وهم السبيل في بناء جسد المسيح.

ولأن كل يوم في حياة الكاهن هو يوم مختلف وجديد، فها هو الآن يبدأ رحلة جديدة وتغيير في نمط رسالته: يجلس طويلاً وراء المكتب، ويقضي معظم وقته أمام الكمبيوتر، البريد الإلكتروني، الهاتف، الأوراق، التقارير وعدد محدد من الموظفين لمتابعة عمل المؤسسة الإداري والتنظيمي والتخطيط المستقبلي لاستمرارية فعالية وقوة المؤسسة.

وبما أن فضيلة المحبة تقوم في جوهرها على العطاء والتضحية من أجل الآخرين، فإن ارتباط هذه الرحلة بها هو الطريق الأفضل، فطريق المحبة هو الطريق إلى الله.

مخاطر رحلة الإدارة

وكما نتقبل هذه الهدية من الروح القدس فعلينا إدراك مخاطرها جيداً، فعلى الصعيد الشخصي من الممكن أن لا يمتلك الكاهن الرغبة بهذه الرسالة، والسؤال الذي يلح عليه هنا، ماذا أحب؟ وماذا يجب أن أعمل؟ ومدى تأثير هذه الرغبة أو عدمها على فعالية العمل الذي يقوم به، إضافةً إلى الغرور والكبرياء الذي يجعله في بعض الأحيان يظن أنه يمتلك معرفة أفضل وانه افضل من غيره وأن طريقته هي الطريقة الوحيدة الحقيقية! أضف إلى ذلك أن هنالك جانب سلبي أخر يكمن في الانشغال بالعمل الإداري وإهمال البعد الروحي والصلاة والالتزامات الروحية، فيكون التركيز مُنصباً على العمل الإداري على حساب رفع الآخرين إلى الله من خلال عملهم، تذكرنا القديسة الأم تريزا  عملي هو صلاتي“.

وكما أن هنالك مخاطر شخصية للعمل الإداري فله تأثيره الواضح أيضاً على العمل المؤسسي والجماعي، أبرز هذه التأثيرات هو سوء اختيار الشخص للموقع المناسب، ما يؤدي إلى غياب الأسس الإدارية الهامة مثل التخطيط، التنظيم، إدارة الوقت، العلاقات الإنسانية، الرؤية، تفويض السلطة، العمل الجماعي وغير ذلك من أولويات الإدارة، مما يؤدي بالتالي إلى الجمود في العمل المؤسسي.

رحلة الإدارةهي هدية

الإدارة الكنسية هي الهدية من قبل الله فهي نعمة الروح القدس في سبيل النمو الفردي والجماعي بهدف بناء الجماعة وجسد المسيح السري/ الكنيسة.

عندما يتحول طريق الكاهن من العمل الرعوي إلى العمل الإداري، في تلك اللحظة بالذات سوف يدخل تجربة جديدة في طريق النمو الشخصي ومعرفة الذات، بداية لحياة التفاني وخدمة الله والآخر، حيث يصبح إدراكه أعمق باحتياجات الآخر، والإمكانات والحدود التي يمتلكها، فيصل إلى مرحلة من النضج الروحي يدرك من خلالها أن جوهر رسالته هو تحويل عمله إلى صلاة، والإحباطات التي تواجهه إلى صليب، من خلال رفع عمله والآخرين إلى الله.

وكما تساهم الإدارة في النمو الشخصي للكاهن فهي تساهم بذات الوقت في النمو المؤسسي والجماعي، إن رسالة اليوم تتلخص في أن الكنيسة بيت للجميع، حيث يقول البابا فرنسيس افتحوا قلوبكم، أيديكم، أبوابكم في كل المناسبات، واخرجوايسوع  على الباب يناديكمفالعمل الإداري هو مناسبة للقاء والتأثير بالآخر والمجتمع عبر التواصل المباشر، الحوار معاً، العطاء المتبادل، وهذا العمل لا ينجح إلا من خلال التحلي بالتواضع والسير مع القطيع.

الإدارة الكنسية هي رحلة في طريق غير متوقعة أحياناً، يحتاج بها إلى الشجاعة وحسن التمييز، ويسير بها إلى حيث ما يريد الله أن يقوده، لا حسب ما يريد هو.

مهارات إدارية روحية

تدعو الإدارة الكنسية إلى التحول من العمل الميداني التطبيقي إلى رؤية قيادية ثابتة تخترق الحواجز والأبواب، فالمدير يحسن القيام بالعمل أما القائد فيحسن العمل ذاته (Do things right à Do the right things).

وحيث أن الإدارة الفعالة تتطلب مجموعة واسعة من المهارات، وكل من هذه المهارات يكمل الآخر، ولأن للمدير الفعال التأثير الأكبر في نمو المؤسسة الكنسية التي ينتمي لها، كان لا بدّ من التركيز على هذه المهارات الإدارية والروحية اللازم تطويرها وتنميتها لدى هؤلاء القادة:

١. الدعوة إلى رؤية ثاقبة

كما ذكرنا فإن الإدارة الكنسية هي دعوة من الله بنعمة الروح القدس لإدراك مشيئته من خلال الإنسان، والكاهن المدعو إلى العمل الإداري هو الذي يمتلك الرؤية والإلهام والتحدي، ولإنجاح هذه الرؤية فهو بحاجة إلى زرع الانسجام في العمل، من خلال احترام القدرات، القبول والتنوع، وخلق بيئة إنسانية والأهم من ذلك كله تحويل العمل إلى كنيسة صغيرة مبنية على الشركة والمشاركة وعلى روح التضامن والإخاء والمحبة والخدمة.

٢. بناء الثقة

علينا أن ندرك جيداً أن الحجر الأساسي لتحقيق النجاح هو الثقة المتبادلة، فهل نثق في حضور الآخرين وفي عملهم وتميزهم؟ وهل نتقبل الآخر باختلافه وتنوعه ونقده البنّاء وبفكره الجديد؟، بدايةً علينا تقبل محدوديتنا، فأحدنا يكمل الآخر، ومن واجب المدير بناء جسور الثقة مع الآخر من خلال التعامل الإنساني معه أولاً، والعمل بروح الفريق، فيتمكن بناءً على ذلك من تحديد قدرات فريقه والاعتماد على مفهوم التخصص والمهنية واللجوء إلى التفويض، وبالتالي يمكنه مساعده فريقه على تحقيق أهدافه بكفاءة وفعالية.

٣. التواضع ما جئت لأُخدَم بل لأَخدُم

بينما تسعى الإدارة عادةً إلى الارتقاء والمناصب، تسعى الإدارة الكنسية إلى الخدمةعلى مثال المعلّم الحقيقي، وهنا، الحاجة ضرورية إلى لحظات وقوف وتأمل أمام الذات: لماذا أنا هنا؟ ما هو هدفي؟، ثم العمل على تحويل الإدارة إلى رسالة روحية، وإلى مساعدة الآخر على النمو، فالخدمة هنا أساسها المحبة المرتبطة بفضيلة التواضع، فهي تسمو وتتقبل الذات من خلال العمل مع الآخر، مع إزعاجه، إلحاحه، عدم إبداعه وإخفاقه.

يقول البابا فرنسيس اسهر بمحبة ورحمة على قطيعك حيث وضعك الروح القدس لتدعم كنيسة الله وتدافع عنها“.

الإدارة سر فصحي

كما ذكرنا سابقاً عند اعتبار الإدارة صليبفي بعض الأحيان في الحياة الشخصية والجماعية، فإن جوهر العمل الإداري الكنسي هو الصليب والقيامة، هو صليب يومي، من خلال التساؤل الدائم الذي يدور في أذهاننا حول عدم الرغبة في القيام بهذا النوع من العمل، في الإزعاجات والخلافات اليومية على أسس إدارية وتنظيمية مع الزملاء، المسؤولين والمجتمع، خصوصاً إن كانت المسؤولية مالية، لكن هي أيضاً سرّ القيامةعبر الانتقال من المعاناة والصليب إلى التحوّل للأمل والفرح بالقيامة والنجاح، عبر التدرب على فضيلة التواضع والصبر، فلا قيامة بدون صليب، نحن بحاجة إلى نعمة الروح القدس لقبول الفشل، الضعف والسقوط وتحويلها إلى صلاة، إنها موت ذاتي في سبيل قيامة جماعية.

خاتمة

هذه هي رحلة الإدارةهي رحلة شاقة ولكنها مفرحة، مؤلمة لكنها تحمل بين طياتها الأمل في المستقبل، هي رسالة في التضحية وصليب في سبيل نجاح الآخر. فليس كل تغيير هو تحسين وإنما كل تحسين هو تغيير، فدور الكاهن في هذه الفترة هي عمل رسالة تبشيرية وخبرة خلاصية له وللمحيطين به من خلال عمله الإداري.

قال يسوع: إِنْ لم تَقَعْ حبَّةُ الحِنطةِ في الأَرض وتَمُت بَقِيَتْ وحدَها وإِذا ماتَتْ أَخرَجتْ حَبَّاً كثيراً. مَنْ أَحَبَّ حياتَهُ فَقَدَها. ومَنْ أَبْغَضَها في هذا العالمِ حَفِظَها للحياةِ الأَبديَّة (يوحنا ١٢:٢٤)، وكما هي حبة الحنطة يدعونا يسوع إلى قبول الموت الروحي والتضحية من خلال تحمل كل هذه الصعوبات والمشقات برضى ومحبة، ومن خلال والقيام بأعمال عكس رغبتنا في بعض الأحيان في سبيل الله وفي سبيل الآخرين، فالله يعمل من خلالنا بضعفنا وحدودنا، يسير بنا حتى لو كانت الطرق معوجة، ولكنها تصل بنا إلى النور الحقيقي، تصل بنا إليه.

بقلم الأب عماد الطوال