Pages Menu
Categories Menu

نشرت في 25 فبراير, 2017 في حياة روحية, صوت الكهنة

الأحد الثّامن للسّنة أ : مكانة الله أم شأن المال عند إكليروسنا والشّعب ؟

الأحد الثّامن للسّنة أ : مكانة الله أم شأن المال عند إكليروسنا والشّعب ؟

 


(
١ قور ٤: ١٥، متّى ٦: ٢٤٣٤)

الرّسل وخلفاؤهم الأساقفة والكهنة والشّمامسة خدّام المسيح ووكلاء أسرارالله

يستخدم مار بولس هنا اللّفظة اليونانيّة المركّبة υπερέτας” التي تدلّ على موقف متواضع تحتقدمي المسيح وربّما أيضًا تحت خدمة الشّعب. ومن الكلمة نستنتج ضرورة أن يكون خادم الهيكل متواضعًا يضع المسيح والناس فوق رأسه، لا أن يكون مستعليًا مستكبرًا ينظر إلى البشر المساخيطنظرة فوقيّة لا تناسب خرّيجي مدرسة المسيح الذي قال: “تتلمذوا لي لأنّني وديع متواضع القلب“. ويحلو للمرء أن يشيد بالبابوات، وخصوصًا منذ القديس البابا غريغوريوس (الذي كان حبرًا أعظم من ٥٩٠٦٠٤) إذ أخذ لقب خادم خدّام اللهأو عبد عبيد الله، ولعلّه إضافة إلى فضيلته البطوليّة رغب في أن يعطي في التّواضع وتتميم الإنجيل المقدس (متّى ٢٠: ٢٥ – ٢٧) درسًا لرئيس أساقفة القسطنطينيّة يوحنّا الصّوّام الذي كان الإمبراطور البيزنطيّ قد لقّبه –من غير أن يعترض الأسقف المذكور– “البطريرك المسكونيّ، بتجاهل كامل للحبر الأعظم الرّومانيّ. وبسبب هذا الموقف، حصل حينها انشقاق قصير انتهى بوفاة البطريرك يوحنّا. وسيطفو من جديد على السّطح في نزاع السّلطة والعظمة بين روما والقسطنطينيّة سنة ١٠٥٤. الزّعامة والسّيادة والوجاهة والعلوّ أو الاستعلاء: هذا سبب الانشقاق الشّرقيّ الكبير! والآن يحاول أحبار روما واسطنبولبتواضع وضع الآخر على رؤوسهمبالمحبة التي هي رباط الكمالوأساس الوحدة الأوّل.

وكلاء أسرار الله

لا تخلو الكلمة اليونانية الأصليّة “οικονόμους” (“إيقونوموسومنها قُمُّص“) المنقولة ب وكلاءمن بلاغة، إذ تعني أصلاً مدبّري البيت“. فالكنيسة والشّعب بيت الله الحيّ“. وليس الكاهن فيه ربّ البيت“(عن ١ بطرس ٥ : ١ وتابع) بل المدبّر. وهو وكيل لأسرار الله. اللّفظة اليونانيّة هي μυστήρια ومنها الإنكليزيّة mystery، وفعلاً فيها شيء من الغموض (mysterious) والعُمق. تشير الكلمة إلى أغوار التدبيرات الإلهية وسموّ العقائد المسيحيّة وأخلاقيّات الإنجيل، من جهة، كما أنبأ صاحب المزامير: “سرّ الرّب عند أتقيائه، ولهم يعلن عهده” (مزمور ٢٥ (٢٤) : ١٤). ومن جهة أخرى، تشير كلمة الأسرارأيضًا، كما ورثناها في الكنيسة الشرقية واليونانية، إلى المقدِسات (بكسر الدّال) السبعة1التي هي إشارات محسوسة تنقل النعمة أي المعمودية والتثبيت والقربان الأقدس والاعتراف ومسحة المرضى والكهنوت والزّواج. والكاهن هو الخادم الوحيد لخمسة من هذه الأسرار السّبعة بحيث يعود وجوده ضروريًّا لا غنى عنه. ولكن يلحظ المرء أنّ النّعمة التي ينالها عن يده المؤمنون ليست من دار أبيهولا من شطارتهأو حكمته أو فضيلته بل من المسيح الفادي. فلا افتخار ولا اعتداد!

وجُلّ ما يُطلَب من الوكلاء أن يُلقى كلّ منهم أمينًا” (أو أهلاً للثّقة)

والمصيبة أنّنا، معشر الإكليروس، لسنا دائمًا كلّنا أمناء! بشر ، يا مسيح الله! ومنّا القدّيسون وفينا الشّهداء وفي صفوفنا الأتقياء النّزهاء، ولكن ليس كلّنا! ومع أنّ الرّوائي الفرنسيّ فرانسوا مورياك كان يقول: “عجيب! أسمع الناس يشيرون إلى كهنة طالحين! أنا في كل حياتي، ما عرفتُ إلاّ كهنة صالحين!” يا بختك وهنيئا لك يا سيد مورياك! ولكن لنفرضنّ جدلاً – لعلّ هذا هو الواقع الأليمأنّ السّوء والخيانة بين الإكليروس واردة بوفرة، فإنّ مار بولس يأخذ الموضوع من قصيرهويسأل ألاّ يحكم أحد على أحد، لأن الرب وحده يعلم بخفايا القلوب ولأنّ المظاهر تخدع أحيانًا (١ قور ٤ : ٢).

معالجةالخطأ بخطأ أكبر: ترك الكنيسة أو المسيحيّة بذريعة فساد الإكليروس!!!

وقع كثيرون في هذا الفخّ وفي هذا المنطق الأعوج، مع الاحترام لأصحابه. فالرسول والأسقف والكاهن لا يبشّرون بأنفسهم بل بيسوع المسيح ربًّا، ويذكرون أنفسهم كخدّام لكم في سبيل يسوع“. يحقّ لك أن تترك الكنيسة إذا كان يسوع أمر رسله والأساقفة والكهنة أن يكرزوا بأنفسهم وأن يطلبوا منك أن تتبعهم! ومن ناحية عمليّة، بصراحة ربّنا، الذين يتركون الكنيسة والمسيحية بذريعة سوء تصرف الإكليروس يلتحقون بمذاهب وطوائف عدد كبير جدًّا من مؤسسيها كان أسوأ بكثير من الكهنة الذين هم ينتقدونهم! ومن أولئك المؤسسين غير الخلوقين وذوي الأفكار المغلوطة: يوهان بوكلسون، تشارلز راسل (مؤسس شهود يهوه) جوزف سميث (مؤسس المورمون) والقسّمونولكن، بنفس الصّراحة، بما أنّ الكنيسة الكاثوليكية منذ المجمع المسكوني الفاتيكاني الثّاني امتنعت عن تبيان سيّئات الطّوائف الأخرى والمذاهب الأخرى، وبما أن الموسوعات وكتب التاريخ بقيت – حتّى أيّامنا، لا تذكر إلاّ السلبيات البشريّة في تاريخ الكنيسةبإغفال أفضالها وفضائلها عبر عشرين قرنًااصطيدت كثير من النّفوس في هذه المياه العكرة. والآن يلومنا المؤمنون أننا سكتنا عن كل تلك الأخطاء والموبقات عند الآخرين كمبادىء ومؤسسات. فاحترنا ما نصنع: في القديم انتقدنا الخطأ من غير الحكم على الخاطىء، واليوم نتكلم فقط عن الحب للآخروكأنه صار موضع عبادة هو ومذهبه، وتغافلنا عن الخطأ بذريعة المحبّة والاحترام والتّعدّديّة“… وكان كل هذا – وما زالطريقًا باتّجاه واحد.

سرّ تفويض يسوع للرسل ولخلفائهم

وإذا تشككأو تعثّرأحد بسوء تصرفات الإكليروس، معمّمًا، متجاهلاً الإيجابياتوهي كثيرة إذ لا أحد يخدم الإنسانية مثل الإكليروس المسيحي ولا سيّما المتبتّلفلينظرنّ أوّلاً إلى الرسل أنفسهم قبل العنصرة : عشرة جبناء وخائن، على اثني عشر! وليفكّرنّ المرء بلغز الإنجاب. نعم: كان بإمكان الخالق أن يخلقنا مباشرة، كما فعل مع أبينا الأوّل. ولكنه لحكمة لا نستطيع إلى سبر أغوارها سبيلاً قرّر أن يفوّض البشر الضعفاء حتى الطالحين منهم والقبحاء أن ينقلوا الحياة بتوكيل منه تعالى! أليست هذه مجازفة أكبر من تفويض رجال مُمتحنين مُجرّبين مُدرّبين مُتعلّمين بالكهنوت؟

أمّا خطورة المال” (في الآرامية ماموناه أي المخبّأ أو المطمون) فقد بيّنها السيّد المسيح مظهرًا أنّ عبادةالبشر للمال تنافس، لدى ضعفاء النفوس وهم كثر، عبادتهم لله. وعند رجال الدّينالمسيحيّ. وربّما أنّ الفعل الذي استخدمه يسوع في الآرامية لمفلحفي شأن المال أي العبادةبحيث أنّ لفطة الفلاحقد تعني العبادةلا الفلاحة ولا النّجاح.

خاتمة

الرّب سيّدنا وإلهنا، لا المال، إن شاء الله، وبنعمته تعالى الكمال مثالنا لا الجمال. عندها يكون لكل واحد منّا مدحه من الله” (١ قور ٤: ٥).

1 العبارة من قدس الأب اليسوعي العبقري هنري بولاد

بقلم الأب بيتر مدروس