Pages Menu
Categories Menu

نشرت في 3 مارس, 2017 في Slide, المدبّر الرسوليّ, خواطر وعظات المدبّر الرسوليّ

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الأوّل من الزمن الأربعيني، السنة “أ”

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الأوّل من الزمن الأربعيني، السنة “أ”


ينقلنا الأحد الأوّل من الزمن الأربعيني إلى الصحراء، حيث يدفع الروح القدس يسوع كي يُجرّبه الشيطان
(متّى ٤: ١– ١١).

يتّفق جميع الإنجيليين الإزائيّين على تدوين رواية التجربة بعد حدث العمّاد مباشرة. في عماده اختار يسوع أسلوباً ووجهاً مُحدّداً، وهو أسلوب ووجه الخادم المطيع، الّذي يتّخذ مشيئة الآب طريقاً لحياته. وقد سُرّ الآب بهذا الاختيار، ومسح يسوع وملأه بالروح القدس. لا ينطلق يسوع من هنا مباشرة إلى رسالته الخلاصيّة وإعلان الملكوت، بل يذهب إلى مكان عزلة وصمت. تبدأ رسالة يسوع من الصحراء. لماذا؟

ربّما لآنّه كان قد التقى بالآب في العمّاد، وكان قد سمع صوته، وكان قد وثق بحبّه. ولا بد بعد ذلك من لقاء آخر مع الانسان.

في الصحراء، يلتقي يسوع بالإنسان، بضعفه، وهشاشته، وأوهامه. وليس هذا الذهاب إلى الصحراء ظرفاً عرضيّاً؛ وإنّما هو بالأحرى بمثابة نعمة. بالفعل، الروح هو الّذي يقود خطواته (متّى ٤: ١).

في الصحراء يعبُر يسوع إلى أجزاء نفسنا البشريّة الأقفر والأحلك والأبعد عن الربّ، ويتعرّف عليها بشكل أكبر. لديه القناعة أنه إذا أراد أن يُخلّصنا، فيجب بالضرورة أن يبدأ من هناك.

نحن نتجنّب أحيانا خبرة لقاء أنفسنا هذه، وخبرة الصحراء، ونتهرّب من المكان الّذي يتيح لنا فضح الأكاذيب الّذي تسكن فينا، والإقرار بأوهامنا والصورة الخادعة التي لدينا عن الرب.

يبدأ يسوع من هناك، لأنّه لا يوجد رسالة إلا انطلاقا من المعرفة المتواضعة للذات والحاجة الشخصيّة للخلاص. هكذا فقط يتعلّم الإنسان الاعتماد الواثق على الآب.

في الصحراء، إذاً، يتعرّض يسوع للتجربة.

ولكن، ما هي التجربة؟

من أجل أن نفهمها بشكل أفضل، يجب أن نعود خطوة إلى الخلف، إلى التجربة الأولى الّتي يذكرها الكتاب المقدّس، تلك التجربة الّتي جرت في الفردوس، والّتي كان بَطَلَاها آدم وحوّاء (تكوين ٣).

في الفردوس، كان لدى البشر امكانية عمل كلّ شيء، ولكن وجب في الوقت نفسه الامتناع عما يُسبّب الموت.

غير أنّ المُجرّب يُلمّح لهما بأنّ هذا الحد المفروض – أي الامتناع عما يضرّ بهماهو بمثابة نقص، وأنّ الربّ في الواقع يغار من الانسان، وأنّه لا يمكننا أن نتوقّع منه الحياة التامّة: ولا يبقى لدينا سوى أخذها بأنفسنا.

هذا ما جرى ليسوع في الصحراء.

يقترح عليه الشيطان كلّ شيء: الثروة والسلطة والنجاح.

وفي الواقع ليست هذه الأمور بالسيئةًّ.

المشكلة أنّه ، في نظر الشيطان، لن تكون تلك الأمور ممكنة إلا إذا استولينا عليها بأنفسنا، دون أن يكون الآب هو الّذي يعطينا إيّاها.

يريدنا الشيطان الحصول على كلّ شيء، ولكن دون طلبه، ودون انتظاره، ودون تلقّيه.

قراءة أخرى لهذه التجربة نجدها في مثل الكرّامين القتلة (متّى ٢١: ٣٣ وتابع)، الّذين يظنّون أنّه ليس باستطاعتهم الحصول على الميراث سوى بثمن وحيد، وهو التخلّص من الوارث. والخدعة تكمن في عدم فهمهم أنّ الوارث قد أتى تحديداً من أجل مقاسمتنا ميراثه، وإعطائنا كلّ شيء.

وهكذا يُصبح جليّاً لنا أنّ كلّ تجربة تتعلّق بالربّ، وبفكرتنا عنه، وبعلاقتنا به. تأتي التجربة حين نميل إلى الثقة الزائدة بأنفسنا وتعني عزل أنفسنا في استقلال ذاتي، يجعلنا نحاول تخليص حياتنا بأنفسنا. تأتي التجربة حين نميل إلى خديعة القلق، الّتي تناولناها يوم الأحد الماضي (متّى ٦: ٢٤– ٣٤).

لا يقع يسوع في هذا الفخّ: يعرض الشيطان بعض الأمور، لكن يسوع يختارالعلاقة والطاعة البنويّة.

وفي هذه العلاقة، نجد كلّ شيء، ونتلقّى كلّ شيء: سوف يقول لنا يسوع في سياق قادم، إنّ أبي قد وهب لي كلّ شيء” (متّى ١١: ٢٧).

إنّ كلّ شيء أراد المُجرّب أن يأخذه يسوع بنفسه، فضّل أنّ يتلقّاه من الآب. وهكذا سوف يحصل عليه بامتياز: سوف يحصل على الحياة، وسوف يحصل على المجد، وسوف يحصل على السلطان وعلى كلّ شيء؛ سوف يُعطي الآب الحياة للإبن، ولكنّه سوف يعطيه إيّاها، تحديدا،ً لأنّ يسوع سيُجيد تلقّيها كهبة، وسيبقى في علاقة طاعة وثقة مطلقتين. بالتأكيد سوف يُعطي الآب أكثر ممّا يمكننا أن نأمل ونتمنّى بكثير.

دعونا نختتم بتعليقين توضيحيين.

التعليق الأوّل هو أنّ الشيطان يُجرّب يسوع مقتبسا أياتٍ من الكتاب المقدسّ.

وهذا يعني إمكانيّة استخدام كلمة الربّ، ولكن من دون الربّ أي من دون سماع صوته ودون طاعته. إنّ التجربة هنا هي، بالضبط، فكّ الإرتباط كليّاً عن الربّ، وخصوصاً في الأمور الّتي تأتينا منه وهي الكلمة، وكذلك الحياة.

والتعليق الثاني هو أن نسأل أنفسنا: لماذا يفعل الشيطان هذا؟

ربّما لأنّه، لو كان يسوع قد اتّبع تعليماته، لكان بالتأكيد أكثر نجاحاً، ولكنّه لم يكن ليخلّص أحدا. لكان قد اتّخذ مسار مسيحانيّة أصولية، من شأنها أن تحلّ العديد من المشاكل، ولكنّها ستفشل عند مشكلة الإنسان الكبيرة والوحيدة، وهي مسألة تعلّم الإيمان والثقة بالربّ مرّة أخرى، دون تحفّظ، وإلى الأبد.

يسوع، في الصحراء يُبيّن لنا الطريق الّتي ينبغي أن نسلكها.

+ بيتسابالا

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial