Pages Menu
Categories Menu

نشرت في 10 مارس, 2017 في Slide, المدبّر الرسوليّ, خواطر وعظات المدبّر الرسوليّ

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثاني من الزمن الأربعيني السنة “أ”

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثاني من الزمن الأربعيني السنة “أ”

في الأحد الماضي رافقنا يسوع إلى الصحراء، حيث قام بمواجهة الأوهام والتجارب التي تسكن حياة الإنسان، وخرج منها منتصراً.

من هناك، بدأ يسوع رسالته؛ رسالة بذل الذات، شهد من خلالها لمحبة أبيه العظيمة.

ويخبرنا إنجيل اليوم أن مِثل هذه الحياة تتميّز بجمال استثنائيّ.

من المربك القول هنا أن الإنسان الذي يستسلم لتجارب الأنانيّة ويضع نفسه مكان الله، يُشوّه نفسه ويصبح تائهاً. رأيناه في الفردوس عارياً يملؤه الخجل والعار (التكوين ٣).

أما الإنسان الذي يسلك بثقة طريق الطاعة الكاملة، فهو يشع نوراً: وحتى إنجيل اليوم يُخبرنا أن ثياب يسوع تتلألأ بالمجد. وهذا الأمر يدركه يسوع جيداً.

في الحقيقة، حادثة التجلي لم تستهدف يسوع حصرا.

يشير الإنجيل إلى أن هذه الحادثة من حياة يسوع، خبرة المجد هذه، لم تجرِ من أجله بل من أجل تلاميذه: هُم شخصيات رئيسيّة فيها.

يخبرنا متّى الإنجيليّ أن يسوع كان قد اصطحب كلّاً من بطرس ويعقوب ويوحنا، وانفرد بهم (متّى ١٧: ١). ويقول أن يسوع كان قد تجلّى أمامهم (متّى ١٧: ١)، وظهر لهم موسى وإيليّا (متّى ١٧:٣)، وطلب منهم الصوت (متّى ١٧: ٥) أن يسمعوا إلى ابنه الحبيب. وهُم أيضاً الأشخاص الذين لمسهم يسوع لكي لا ينتابهم الخوف (متّى ١٧: ٧)؛ وهم الذين رأوا يسوع وحده (متّى ١٧: ٨).

لماذا يحتاج التلاميذ إلى هذه الخبرة؟ ما هو الأمر الذي عليهم أن يفهموه؟

لدينا دليل من السياق ذاته. يُخبرنا الإنجيل أن هذه الحادثة جرت بعد ستّة أيّام” (متّى ١٧: ١). بعد ستّة أيّام من ماذا؟ في الآيات السابقة، نجد يسوع مع تلاميذه في قيصرية فيلبس (متّى ١٦: ١٣٢٨). يتكلّم معهم في موضوع هويّته ويعلن أن رسالته يجب أن تمر بخبرة الفشل والهزيمة والنبذ والموت العنيف. وهنا ينفرد به بطرس ويأمل إقناعه أن هذه الغاية مستحيلة ولا يمكن تصوّرها: “لا سمح الله، يا سيّد” (متّى ١٦: ٢٢). بطرس لم يفهم شيئاً.

فأخذ يسوع تلاميذه جانباً: ليس من أجل دحض ما قاله ولكن لكي يُريهم أن طريق الآلام هي طريق المجد، من أجل أن يكشف لأصدقائه المقرّبين أن هذين الأمرين لا يمكن فصلهما عن بعض، وأن كل لفتة محبّة يعيشها المرء حتى بذل النفس هي بالفعل خبرة مدهشة من خبرات النور والحياة. لوهلة ما استشفّ التلاميذ جزءاً من هذه الخبرة.

ولكنّهم لا يفهمون بعد كل شيء: قبل ستّة أيّام شهد بطرس وحده سر العذاب وصُدم به، أما هنا فهو مجرّب أن يرى فقط سرّ المجد وأن يتوقف عنده. يريد أن ينصب ثلاث مظالّ وألا ينزل إلى الوادي (متّى ١٧: ٤)، من دون المُضي إلى ما هو أبعد من ذلك.

أما صعوبة الأمر بالنسبة إلى بطرس والتلاميذ ولنا أيضاً فتتمثّل في عمل تقارب بين وجهَيْ هذا السر، والإيمان أنهما في الواقع مترابطان، حيث أن عمق التواضع يفتح الباب لعلو المجد والارتقاء الحقيقي. هذا هو سر يسوع وحقيقة الإنسان أيضاً.

ومع ذلك فهُم لا يفهمون كل شيء: ولكن سيكون لديهم شيء يتذكرونه لحظة قيامة الرب من بين الأموات. سيتذكّرون كيف تمكّنوا من تأمل جمال هذه الحياة، حياة يسوع وهو متجه نحو القدس.

ستكشف آلام المسيح إيمانهم الضعيف وهشاشة صداقتهم بالرب. لذلك يوجّه لهم صوت الآب أمرا واحداً: “اسمَعوا له” (متّى ١٧: ٥).

اسمعوا له أثناء حواره مع موسى وإيليّا (متّى ١٧: ٣)، وانظروا إلى الشريعة والأنبياء في ضوء هذا الابن الحبيب، الذي يتمحور حوله التاريخ وتكتمل قصة العهد بأكملها.

اسمعوا له حين تختبرون الضعف والخيانة: في تلك اللحظة ستفهمون أن هذا الابن بذل حياته لأجلكم، لكي يشارككم نفس مصير المجد والنور وملء الحياة.

إن حادثة التجلّي ليست إلا نافذة تنفتح للتلاميذ لحظة واحدة وهم في طريقهم إلى القدس، لحظة تسمح لهم بالتأمّل في حدث الفصح في شموليته“.

أما بالنسبة لنا، فتجعلنا هذه النافذة نطلّ على الإيمان الذي من دونه سيبقى سر الرب والإنسان محجوباً عن أعيننا.

إنْ نظَرنا من خلالها سنرى أن وجه الابن الحبيب والمعذّب من أجل المحبة يكشف لنا المصير النهائي والسعيد للإنسان.

+ بييرباتيستا

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial