Pages Menu
Categories Menu

نشرت في 17 مارس, 2017 في Slide, المدبّر الرسوليّ, خواطر وعظات المدبّر الرسوليّ

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثالث من الزمن الأربعيني، السنة أ

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثالث من الزمن الأربعيني، السنة أ

١٩ آذار ٢٠١٧

يوحنّا ٤

دوّن الإنجيلي يوحنّا حوارات مُكثّفة، طويلة وأحيانا شاقّة، بين يسوع والأشخاص الأكثر تنوّعاً. الأوّل هو نقوديموس (فصل ٣)؛ ثم نلتقي بالمرأة السامريّة، والرجل الأعمى من مولده، ومرتا ومريم بمناسبة وفاة أخيهما لعازر. إنّها حوارات معروفة بحوارات الكشف، بل حوارات الكشف الذاتي، حيث يكشف يسوع، أثناء حديثه مع إحدى هذه الشخصيّات، عن ذاته، ويُدلي بشيء ما عن شخصيته. يُشكّل المقطع الإنجيلي لهذا الأحد، إضافة إلى المقطعين الخاصّين بالأحدين القادمين، جزءاً من التعليم المسيحي الخاص بسرّ العماد، حيث نصل بشكل تدريجي إلى معرفة يسوع. وهذه الحوارات مبنية بشكل معيّن حتى تُظهِر حقيقة تدريجية تتعلق بيسوع: مُعلّم ونبي ومسيح، إلخ…..

ليس باستطاعتنا التوقّف عند الإشارات الكتابيّة العديدة لهذا المقطع الإنجيلي لأنّها بالفعل عديدة، ولهذا يجب أن نتوقّف عند بعض الأفكار، ونؤجّل الإشارات الأخرى إلى قراءة أعمق.

لا يتمّ وحي الربّ بشكل نظريّ، أو بشكل مُجرّد، ولا يهبط من الأعلى بشكل جامد، بل يجري في سياق لقاء شخصيّ. يكشف يسوع عن ذاته من خلال الإلتقاء بأشخاص حقيقيّين، ويدخل في حياتهم ويحاورهم. لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، لأنّ إلهنا هو لقاء، وهو علاقة، ولا يمكنه أن يقول أيّ شيء من تلقاء ذاته إن لم يكن يتحدّث مع شخص ما.

ويتكيّف الربّ مع الشخص الواقف أمامه. مع نقوديموس، الّذي يعرف كلّ الشريعة، والّذي يذهب إليه في الليل، يتحدّث بلغة الريح التي لا حدود لها، تأخذك حيث لا تعرف؛ للسامريّة، الّتي لديها عطش كبير للحبّ، والّتي تصله حاملة قصّتها المجروحة والمعقّدة، يتحدّث عن الماء الحيّ؛ ويكشف نفسه للأعمى كالنور؛ وللأختين اللتين تبكيان عزيزا لهما، يتحدّث عن القيامة والحياة.

ومن ثمّ، يتواصل يسوع مع كلّ قصّة حياة ويتفاعل معها، ويتضامن مع البشريّة جمعاء: وبهذا يكشف عن ذاته. وبينما يكشف ذاته، يحدث شيء ما في مُحاوره، يجعله يُشارك في الحوار، بحيث لا يبقى أيّ من المحاورين كما كان في بداية اللقاء: تتحوّل الحياة ويتحقّق الخلاص داخل كلّ قصّة. اليوم نرى كلّ هذا في اللقاء بين يسوع والمرأة السامريّة.

هناك، على الأقلّ، ثلاثة أسباب تمنع حدوث اللقاء مع السامرية: السبب الأوّل، ببساطة، لأنّها امرأة، ولم يكن لائقاً، في تلك الأيّام، أن يتحدّث معلّم دينيّ مع امرأة علناً. بالفعل، عندما يعود التلاميذ من المدينة سوف يندهشون بعض الشيء حين يرون يسوع يتحدّث معها (يوحنّا ٤، ٢٧).

والسبب الثاني هو أنّها امرأة سامريّة، وبالتالي فهي مُنشقّة وهرطوقيّة: المرأة هي أوّل من تتفاجأ حين يوجّه يسوع الكلمة إليها وتتفاعل على الفور: “كيف! أنت اليهودي، تطلب منّي أن تشرب وأنا امرأة سامريّة؟” (يوحنّا ٤، ٩). ويُعلّق البشير: “لأنّ اليهود لا يخالطون السامريّين“.

وأخيراً، بالإضافة إلى كونها امرأة سامريّة، لم تكن امرأة فاضلة. كان لديها خمسة أزواج سابقاً، وهي تعيش الآن مع رجل سادس، لم تكن مرتبطة معه بزواج. باختصار، كان لديها ما يكفي لإحراج أيّ اسرائيليّ صالح.

لا يرى يسوع أيّ شيء من هذا: إنّه يرى فقط امرأة عطشى، كما كان هو نفسه عطشاً. كانت، مثله، متعطّشة إلى كلام حقيقيّ، ولقاءات حقيقيّة وحبّ حقيقيّ.

يبدأ يسوع حواراً معها، ولا يبدأه كما لو كان لديه ما تعطيه، بل كمن يطلب.

إن الطلب هو من أجمل الطرق للتعبير عن المحبّة وعن الحبّ: إنّ إعطاء الآخر إمكانيّة إعطائك شيئاً ما، هو بمثابة الإقرار بكرامته وغناه وقيمته.

ومن أجل ذلك نرى المرأة مندهشة للغاية، تحاول تغيير مجرى الحديث، القائم على أساس الإختلافات الّتي تُفرّق وتُبعد: لم تكن معتادة أن تُعامَل بهذه الطريقة، ويجب أن تنفتح شيئاً فشيئاً على شيء جديد.

فهمت المرأة قليلا من هذا الحوار، الّذي يتحدّث عن ينابيع، وعن حياة أبديّة، وعن روح وحقّ: يُكلّمها يسوع عن أمور عُليا، ولكن ليس هذا هو بيت القصيد. المهم أن المرأة توصلت إلى فهم الشيء الأساسي، وهو أنّ هذا الرجل، هذا المُعلّم الديني، هذا النبيّ، هذا المسيح يُكلّمها ويتحدّث إليها بالذات. إنّه يعرفها، ويعرف قصّتها؛ ومع ذلك فهو يتحدّث معها.

أنا هو، أنا الّذي يُكلّمك” (يوحنّا ٤، ٢٦)، ؛ إنّ المسيح الّذي تنتظرينه كي يُعلن كلّ شيء (يوحنّا ٤، ٢٥) هو هنا، ويتحدّث إليك. هذا هو الوحي الّذي يحدث داخل حياة المرّاة السامريّة.

هذه هي عطيّة الربّ (يوحنّا ٤، ١٠)، التي وجب معرفتها وقبولها. ببساطة، إنّ المسيح الّذي تنتظرينه موجود هنا ويقول لك: “إسقني“.

يُغيّر ذلك حياتها تماماً: هذه المرأة كانت من قبل مُجرّد امرأة، سامريّة وغير شريفة؛ أمّا الآن فهي امرأة يتحدّث المسيح معها. لا يمكن أن يبقى الأمر كما كان قبلا: تحفر كلمة الربّ فيك بئراً دون أن تشعر، وتُحرّر فيك ينبوعاً.

والدليل على هذا أنّ المرأة تترك جرّتها هناك، وتمضي (يوحنّا ٤، ٢٨). إنّ تلك الّتي قد وجدت ينبوعاً، واكتشفت أنّ الينبوع يسكن داخل حياتها الشخصيّة، لم تعد بحاجة إلى جرّة

ماذا تُعلن؟ تُعلن أنّ رجلاً قد تكلّم معها وقال لها كلّ ما قد فعلته.

أيْ أن هذه الحياة الّتي كانت مصدراً للخزي والعار، هي الآن مكان ومناسبة للإعلان؛ هكذا فقط يكون الإعلان الصحيح والحقيقي.

وقد أصبحت مناسبة للإعلان لأنّ شيئاً ما قد تغيّر في هذه الأثناء، ولأنّها في هذه الأثناء أصبحت سويّة“.

ليس هناك أيّ شيء مُغلق على الرب بشكل دائم؛ يمكن إعادة فتح كلّ شيء عندما يكون الربّ هنا، ويتحدّث إليك.

+ بييرباتيستا

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial